العيني
55
عمدة القاري
بن يزيد أن حويطب بن عبد العزى أخبره أن عبد الله بن السعدي أخبره أنه قدم على عمر ، رضي الله تعالى عنه ، في خلافته ، فذكر قصة فيها هذا الحديث ، والسائب ومن فوقه صحابة ففيه أربعة من الصحابة في نسق . قوله : ( إذا جاءك ) شرط وجزاؤه قوله : ( فخذه ) ، وأطلق الأخذ أولاً بالأمر ، وعلق ثانيا بالشرط ، فحمل المطلق على المقيد . قوله : ( وأنت غير مشرف ) ، جملة اسمية وقعت حالاً ، وقد مضى تفسير الإشراف . قوله : ( وما لا ) أي : وما لا يكون كذلك بأن لا يجيء إليك وتميل نفسك إليه ( فلا تتبعه نفسك ) في الطلب واتركه . ذكر ما يستفاد منه : قال الطبري : اختلف العلماء في قوله : ( فخذه ) بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد . فقال بعضهم : هو ندب لكل من أعطي عطية أن يقبلها سواء كان المعطي سلطانا أو غيره ، صالحا كان أو فاسقا ، بعد أن كان ممن تجوز عطيته . روي ( عن أبي هريرة أنه قال : ما أحد يهدي إلي هدية إلاَّ قبلتها ، فأما أن أسأل ، فلا ) وعن أبي الدرداء مثله ، وقبلت عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، من معاوية . وقال حبيب بن أبي ثابت : رأيت هدايا المختار تأتي ابن عمر وابن عباس ، رضي الله تعالى عنهم ، فيقبلانها ، وقال عثمان بن عفان ، رضي الله تعالى عنه ، جوائز السلطان لحم ظبي زكي ، وبعث سعيد بن العاص إلى علي ، رضي الله تعالى عنه ، بهدايا فقبلها ، وقال : خذ ما أعطوك . وأجاز معاوية الحسين بأربعمائة ألف ، وسئل أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين عن هدايا السلطان ، فقال : إن علمت أنه من غصب وسحت فلا تقبله ، وإن لم تعرف ذلك فاقبله ، ثم ذكر قصة بريرة ، وقال الشارع : هو لنا هدية ، وقال : ما كان من مأثم فهو عليهم ، وما كان من مهنأ فهو لك ، وقبلها علقمة والأسود والنخعي والحسن والشعبي . وقال آخرون : بل ذلك ندب منه أمته إلى قبول عطية غير ذي سلطان ، فأما السلطان فإن بعضهم كان يقول : حرام قبول عطيته ، وبعضهم كرهها ، وروي أن خالد بن أسيد أعطى مسروقا ثلاثين ألفا فأبى أن يقبلها . فقيل له : لو أخذتها فوصلت بها رحمك ؟ فقال : أرأيت لو أن لصا نقب بيتا ما أبالي أخذتها أو أخذت ذلك ، ولم يقبل ابن سيرين ولا ابن محيريز من السلطان ، وقال هشام بن عروة : بعث إلي عبد الله ابن الزبير ، رضي الله تعالى عنهما ، وإلى أخي بخمسمائة دينار ، فقال أخي : درها فما أكلها أحد وهو غني عنها إلاَّ أحوجه الله إليها . وقال ابن المنذر : كره جوائز السلطان محمد بن واسع والثوري وابن المبارك وأحمد . وقال آخرون : بل ذلك ندب إلى قبول هدية السلطان دون غيره ، وروي عن عكرمة قال : إنا لا نقبل إلاَّ من الأمراء . وقال الطبري : والصواب عندي أنه ندب منه إلى قبول عطية كل معط جائزة لسلطان كانت أو غيرها لحديث عمر ، رضي الله تعالى عنه ، فندبه إلى قبول كل ما آتاه الله من المال من جميع وجوهه من غير تخصيص سوى ما استثناه ، وذلك ما جاء به من وجه حرام عليه ، وعلم به . ووجه من رد أنه إنما كان على من كان الأغلب من أمره أنه لا يأخذ المال من وجهه ، فرأى أن الأسلم لدينه والإبراء لعرضه تركه ، ولا يدخل في ذلك ما إذا علم حرمته . ووجه من قبل ممن لم يبال من أين أخذ المال ولا فيما وضعه أنه ينقسم ثلاثة أقسام : ما علم حله يقينا فلا يستحب رده ، وعكسه فيحرم قبوله ، وما لا فلا يكلف البحث عنه ، وهو في الظاهر أولى به من غيره ما لم يستحق . وأما مبايعة من يخالط ماله الحرام وقبول هداياه فكره ذلك قوم وأجازه آخرون . فممن كرهه : عبد الله بن يزيد وأبو وائل والقاسم وسالم ، وروي أنه توفيت مولاة لسالم كانت تبيع الخمر بمصر فترك ميراثها أيضا . وقال مالك : قال عبد الله بن يزيد بن هرمز : إني لا أعجب ممن يرزق الحلال ويرغب في الربح فيه الشيء اليسير من الحرام فيفسد المال كله ، وكره الثوري المال الذي يخالطه الحرام ، وممن أجازه ابن مسعود ، روي عنه أن رجلاً سأله فقال في جار : لا يتورع من أكل الربا ولا من أخذ ما لا يصلح ، وهو يدعونا إلى طعامه وتكون لنا الحاجة فنستقرضه ؟ فقال : أجبه إلى طعامه واستقرضه ، فَلَكَ المهنأ وعليه المأثم ، وسئل ابن عمر عن رجل أكل طعام من يأكل الربا فأجازه ، وسئل النخعي عن الرجل يأتي المال من الحلال والحرام ، قال : لا يحرم عليه إلاَّ الحرام بعينه . وعن سعيد بن جبير أنه ، رضي الله تعالى عنه ، مر بالعشَّارين وفي أيديهم شماريخ ، فقال : ناولونيها من سحتكم هذا إنه حرام عليكم وعلينا حلال . وأجاز البصري طعام العشار والضراب والعامل وعن مكحول والزهري : إذا اختلط الحرام والحلال فلا بأس به فإنما يكره من ذلك شيء يعرف بعينه ، وأجازه ابن أبي ذئب ، وقال ابن المنذر : واحتج من رخص فيه بأن الله تعالى ذكر اليهود ، فقال : * ( سماعون للكذب أكالون للسحت ) * ( المائدة : 24 ) . وقدرهن الشارع درعه عند يهودي ، وقال الطبري في إباحة الله تعالى أخذ الجزية من أهل الكتاب مع علمه بأن أكثر